القاضي عبد الجبار الهمذاني
152
المغني في أبواب التوحيد والعدل
ولهذه الجملة لم يعتمد شيوخنا في إثبات نبوّة محمد ، صلى اللّه عليه ، على المعجزات ، التي إنما تعلم بعد العلم بنبوّته صلى اللّه عليه ، لأن ثبوت ذلك فرع على ثبوت النبوّة ، فكيف يصح أن يستدل به على النبوّة ! ؛ وجعلوا هذه المعجزات مؤكدة ، وزائدة في شرح الصدور ، فيمن يعرفها من جهة الاستدلال ، فأما من يشاهد ذلك فحاله فيها كحاله مع القرآن ، في أنه يمكنه الاستدلال بها ، كما يمكنه ذلك في القرآن ؛ لأن ثبوتها بالمشاهدة أخرجها من أن يكون علم المشاهد لها كالفرع على النبوّة ، فصح أن يستدل بها على النبوّة ، ومن يعرفها بالإجماع ، وما شاكله ، فطريقه في معرفتها مبنى على طريق معرفة النبوّات ، فلا يصح أن يستدل بها على صحة النبوّة ؛ ولذلك اعتمد شيوخنا في تثبيت نبوّة محمد ، صلى اللّه عليه ، على القرآن ، لأن علم المخالف به كعلم الموافق ، من حيث ظهر نقله على وجه الشياع . وهذا هو الّذي ذكره شيخنا « أبو علي » ، في « نقض الإمامة » ، على ابن الراوندي ، وفي غيره ؛ وربما مرّ في كتبه في بعض المعجزات : أنها تعلم باضطرار كالقرآن ، نحو حنين الجذع ، وخبر الميضاة ، لأن حدوثهما كان في الجمع العظيم ؛ وعلى هذا الوجه يجرى كلام شيخنا « أبى هاشم » ؛ فأما من شنع ذلك على مشايخنا ، وزعم أنهم أبطلوا سائر معجزات محمد صلى اللّه عليه ، فكلامه يدل على جهل ؛ لأن شيوخنا أثبتوها معجزة ودلالة ، لكنهم لم يجوّزوا الاعتماد عليها ، في مكالمة المخالفين ؛ ألا ترى إلى جعلهم لها دلالة للمشاهدين ، ودلالة للمسلمين ، على الحدّ الّذي ذكرناه ؛ ولا فرق بين من شنع بذلك وبين المخالفين ، إذا شنعوا بأنا لم نجعل القرآن دلالة على العدل والتوحيد ؛ وهذا يبين أن الّذي يستدل به على نبوّته عليه السلام ما نعرفه باضطرار ، واستدلال بالأخبار ، دون ما يرجع في نبوّته ، أو ثبوت أحواله إلى الإجماع ، أو تصديق المجمعين ، أو تصديق الرسول ، صلى اللّه عليه ، إلى ما شاكل ذلك .